الشاب خالد يلهب ركح قرطاج… وليلة وفاء تسبق الفرح بتكريم الراحل صالح الفرزيط

بقلم : سامية الزواغي

في ثاني سهرات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي عاش المسرح الأثري بقرطاج مساء السبت 18 جويلية 2026 على وقع واحدة من أكثر السهرات انتظارا حيث عاد “ملك الراي” الشاب خالد إلى جمهوره التونسي في عرض استثنائي جمع بين الحنين والاحتفال مؤكدا من جديد المكانة التي يحتلها في قلوب عشاق هذا اللون الموسيقي داخل تونس وخارجها. وقد شهدت السهرة حضورا جماهيريا غفيرا إذ امتلأت مدارج المسرح قبل انطلاق العرض بساعات في مشهد يعكس قيمة الفنان وشغف الجمهور بلقائه.
لكن قبل أن تدوي أولى نغمات الراي اختار مهرجان قرطاج أن يفتتح الأمسية بلحظة وفاء مؤثرة حيث عُرض شريط فيديو تكريمي استعاد أبرز محطات الفنان الشعبي التونسي الراحل صالح الفرزيط الذي غادر الحياة في اليوم نفسه. وقد خيم الصمت على المسرح ووقف الجمهور إجلالا لروح أحد أبرز رموز الأغنية الشعبية التونسية الذي ترك إرثا فنيا راسخا في الذاكرة من خلال أعمال خالدة ما تزال تتردد على ألسنة الأجيال في لفتة إنسانية وثقافية أكدت أن مهرجان قرطاج لا يحتفي فقط بالموسيقى بل يحفظ أيضا ذاكرة مبدعيها.
وبعد هذه اللحظة المؤثرة اعتلى الشاب خالد الركح وسط استقبال حار وتصفيق طويل ليأخذ الجمهور في رحلة موسيقية عبر أشهر محطات مسيرته الممتدة لعقود. فمنذ اللحظات الأولى نجح في إشعال الأجواء بأغنياته التي صنعت مجده الفني لتتعالى أصوات الحاضرين مرددة الكلمات عن ظهر قلب في لوحة امتزجت فيها الحماسة بالحنين. وتنقل خالد بين أعماله الخالدة مقدما باقة من أشهر أغانيه التي صنعت العالمية لموسيقى الراي على غرار “ديدي”، و”عايشة”، و”سي لافي”، و”عبد القادر”، وغيرها من الأغاني التي تفاعل معها الجمهور بالغناء والتصفيق والرقص لتتحول مدارج المسرح الأثري إلى فضاء احتفالي نابض بالحياة.
واعتمد الفنان الجزائري على فرقة موسيقية متكاملة قدمت توزيعات حديثة حافظت في الوقت ذاته على روح الراي الأصيلة بينما تميز العرض بإيقاع متصاعد وإضاءة مبهرة وجودة تقنية عكست حسن الإعداد والتنظيم الذي يميز الدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي
ولم تكن السهرة مجرد حفل غنائي بل كانت مناسبة لتأكيد عمق الروابط الثقافية والفنية بين تونس والجزائر حيث ظل الشاب خالد يؤكد في أكثر من مناسبة محبته للجمهور التونسي الذي بادله الحب ذاته من خلال تفاعل استثنائي استمر طوال العرض.
وتأتي هذه السهرة لتواصل النجاح الذي انطلقت به الدورة الستون بعد افتتاح مميز أحياه الفنان صابر الرباعي بما يؤكد أن إدارة مهرجان قرطاج راهنت على برمجة متنوعة تستجيب لمختلف الأذواق وتجمع بين الأصالة والانفتاح على مختلف الأنماط الموسيقية العربية والعالمية.
وهكذا نجح الشاب خالد في تحويل ثاني ليالي قرطاج إلى عرس فني بامتياز بينما منح التكريم الذي سبق الحفل بعدا إنسانيا مؤثرا للأمسية لتبقى هذه الليلة محفورة في ذاكرة الجمهور لأنها جمعت بين الوفاء لفنان رحل والاحتفاء بفنان ما يزال يواصل صناعة الفرح على أكبر المسارح العربية في دورة استثنائية تؤكد من جديد أن مهرجان قرطاج الدولي بعد ستين عاما من العطاء ما يزال أحد أبرز المواعيد الثقافية والفنية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *