ماجدة الرومي تختتم قرطاج في ليلة من الحلم والجمال

بقلم : سامية الزواغي
لم يكن ختام الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي مجرد موعد أخير في برمجة صيفية حافلة بل كان أشبه بمشهد أخير اختار له المهرجان صوتا استثنائيا يليق بستة عقود من الذاكرة والفن. وفي ليلة الأربعاء 19 أوت 2026 اعتلت الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي ركح المسرح الأثري لتمنح جمهور قرطاج سهرة فاخرة امتزج فيها الطرب بالرقي والإحساس بالبهاء في احتفالية اختارت أن تودّع دورة استثنائية بماجدة الرومي.
ومنذ البداية بدا أن الموعد يتجاوز حدود الحفل التقليدي حين قالت ماجدة: «لا أعتبر الحفل حفلا بل هو عرس وفي العرس نغني جميعا فلنغن للحب والسلام»، قبل أن تتمنى لتونس وشعبها الخير والازدهار.
أطلت «الماجدة» بحضورها المهيب وصوتها الذي راكم على امتداد عقود تجربة فنية متفردة فبدت السهرة رحلة في الذاكرة العربية تستعيد فيها الأغنية مكانتها باعتبارها إحساسا وكلمة وموقفا وبصوت يحمل الشجن والرهافة والسمو قادت جمهور قرطاج إلى حالة من الإنصات والانفعال والفرح مؤكدة أن بعض الأصوات لا تكتفي بأداء الأغنية بل تمنحها روحا جديدة.
ولأن الفن بالنسبة إلى ماجدة الرومي لم يكن يوما منفصلا عن الإنسان وقضاياه حملت في سهرتها تحية إلى لبنان بلدها الذي ظل حاضرا في وجدانها ومسيرتها واستحضرت صمود شعبه وقدرته على صناعة الفرح رغم الألم وهي التي جعلت من صوتها مساحة للدفاع عن الحرية والسلام وغنت للبنان منذ بداياتها ومن أبرز أعمالها «عم بحلمك يا حلم يا لبنان» من كلمات سعيد عقل وألحان إلياس الرحباني والتي قدمتها سنة 1975.
وخلال السهرة أخذت ماجدة جمهورها في رحلة بين محطات من رصيدها الفني فغنت «كلمات»، و«عيناك ليال صيفية»، و«عم يسألوني»، و«لا تسأل»، و«اعتزلت الغرام»، و«كن صديقي»، و«مطرحك بقلبي»، وغيرها من الأعمال التي رسخت حضورها في وجدان المستمع العربي.
وكان تفاعل الجمهور التونسي لافتا إذ ردد معها كلمات أغانيها في مشهد أعاد إلى الواجهة قيمة الأغنية الجميلة حين تجتمع الكلمة الراقية باللحن والصوت الكبير وهي التي غنت لكبار الشعراء على غرار نزار قباني ومحمود درويش وجعلت من «كلمات» واحدة من أشهر قصائد الحب في الأغنية العربية.
وتحمل ماجدة الرومي علاقة خاصة بتونس وركح قرطاج تحديدا فمن هذا المسرح كانت إحدى أبرز محطات انطلاقتها الفعلية سنة 1980 لتتحول علاقتها بتونس منذ ذلك الحين إلى حكاية متواصلة من المحبة والوفاء وردت الفنانة الجميل لجمهورها التونسي بالغناء من تراثه فقدمت «لاموني»، و«يا مي العوينة»، و«خالي بدلني»، و«يا خليلة».
كما كرّمتها تونس سنة 2010 بمنحها الصنف الأول من وسام الاستحقاق الثقافي واستقبلها الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي سنة 2017 بقصر قرطاج بمناسبة الاحتفال بالذكرى 61 للاستقلال وفي سنة 2015 قامت بزيارة تضامنية إلى تونس عقب العملية الإرهابية التي استهدفت متحف باردو لتؤكد أن علاقتها بهذا البلد تتجاوز الخشبة والأضواء.
وخلال قرابة ساعتين تركت ماجدة الموسيقى والكلمة تقودان اللحظة الفنية وحافظت على حضورها الهادئ وهيبتها الخاصة فيما تماهى الجمهور معها غناء وإنصاتا . وفي لحظات مؤثرة كانت مشاعر الحب التي غمرها بها الجمهور أقوى من الكلمات فكانت الدموع أحيانا أبلغ تعبير عن صدق اللقاء.
ماجدة الرومي التي بدأت مسيرتها منذ سبعينيات القرن الماضي استطاعت أن تبني لنفسها موقعا خاصا في الأغنية العربية فمزجت بين الغناء والتمثيل وبين القصيدة والموسيقى والفن والموقف وظلت وفية لصوتها وخياراتها حتى أصبحت واحدة من أبرز الأسماء التي تحفظها الذاكرة العربية.
وهكذا اختار مهرجان قرطاج الدولي أن يطوي صفحة دورته الستين بصوت كبير ينتمي إلى الزمن الجميل لكنه لا يزال قادرا على ملامسة وجدان الجمهور فكانت ماجدة الرومي خاتمة تليق بستة عقود من تاريخ قرطاج وبمسرح ظل شاهدا على أجيال من الفنانين والنجاحات.
ومع إسدال الستار بقي صدى صوت ماجدة الرومي حاضرا في مدارج المسرح الأثري لتختتم الدورة الستون في ليلة لم تكن مجرد ختام بل تحية للفن والجمال ولعلاقة استثنائية بين فنانة أحبت تونس وجمهور ظل وفيا لها منذ أول لقاء.
هكذا انتهت الدورة الستون لمهرجان قرطاج الدولي على وقع صوت ماجدة الرومي في ليلة من الحلم والجمال تليق بختام مهرجان عريق وبستين عاما من الذاكرة والفرح.



