«فلكلورات العالم» في قرطاج… حين التقت ثقافات الشعوب في رقصة واحدة

بقلم : سامية الزواغي
عاش جمهور مهرجان قرطاج الدولي مساء الثلاثاء 11 أوت 2026 ضمن فعاليات الدورة الستين سهرة استثنائية بعنوان «فلكلورات العالم» تحولت خلالها خشبة المسرح الأثري بقرطاج إلى فضاء مفتوح على ثقافات العالم في رحلة فنية جمعت الموسيقى والرقص والأزياء التقليدية والإيقاعات الشعبية وجعلت من الفن لغة مشتركة تتجاوز اختلاف اللغات والحدود.
وحضرت وزيرة الشؤون الثقافية السهرة إلى جانب عدد من السفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدة بتونس في حضور عكس البعد الثقافي والدبلوماسي لهذا الموعد الذي لم يكن مجرد عرض فني وإنما لقاء بين ثقافات متعددة قدمت من خلاله كل فرقة جانبا من هوية بلدها وتراثه وموروثه الشعبي.
وكانت السهرة أشبه برحلة حول العالم شاركت فيها فرق ومجموعات من الصين وتونس والجبل الأسود واليابان ومصر ومالطا والهند وليبيا والجزائر والمغرب حيث قدمت كل مجموعة خصوصيتها الفنية وطريقتها في التعبير ليجد جمهور قرطاج نفسه أمام لوحة متعددة الألوان والإيقاعات.
وانطلقت السهرة مع فرقة بالي أوبرا بكين من الصين التي أطلت على الركح في أزياء تقليدية خاطفة للأنظار قبل أن تقدم عرضا جمع بين الخفة والدقة والمهارة وتخللته حركات راقصة وبهلوانية مدهشة على إيقاعات مستوحاة من تقاليدها الموسيقية وكان الحضور البصري القوي للفرقة أحد العناصر التي شدت انتباه الجمهور منذ اللحظات الأولى لتفتح بذلك باب الرحلة نحو عالم من الفنون الشعبية المختلفة.
ومن الصين انتقلت السهرة إلى تونس مع فرقة محارم اللؤلؤة قبل أن يفتح الركح أبوابه أمام Akud Micro Srzentic من الجبل الأسود ثم فرقة Rising Sun من اليابان لتتواصل العروض مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة من مصر ثم فرقة Folk Ogygin من مالطا.
تنوعت العروض واختلفت أساليبها لكن القاسم المشترك ظل واحدًا: الاحتفاء بالتراث وتقديمه في قالب فني قادر على الوصول إلى الجمهور وإثارة فضوله فلكل فرقة إيقاعها وحركاتها وأزياؤها ولكل بلد ذاكرته الشعبية التي حملتها الفرق إلى ركح قرطاج.
وعادت تونس من جديد إلى الواجهة من خلال عرض الربوخ الذي استعاد جانبا من الموروث الشعبي التونسي وأضفى على السهرة نكهة محلية مؤكدا أن تونس لم تكن مجرد بلد مضيف لهذا اللقاء العالمي بل كانت أيضا حاضرة بثقلها الفني وتراثها الشعبي
ثم واصلت السهرة رحلتها نحو الهند مع عرض Gujarati Folk الذي حمل معه خصوصية الفنون الشعبية الهندية قبل أن يحين دور ليبيا مع الفرقة الوطنية للفنون الشعبية لتتواصل بعدها الرحلة مع الجزائر من خلال بالي الديوان الوطني ثم المغرب مع فرقة تزويت العالمية.
وفي كل محطة كان الجمهور يكتشف عالما جديدا من خلال حركات الراقصين وأزيائهم وإيقاعاتهم في مشهد يؤكد أن الفنون الشعبية قادرة على اختصار تاريخ الشعوب وذاكرتها في لوحات فنية قصيرة وأن الرقص يمكن أن يكون وسيلة للتعريف بالهوية مثلما تكون الموسيقى والكلمة.
وقد بدا ركح قرطاج خلال هذه السهرة وكأنه يتحول إلى مسرح عالمي مفتوح تتجاور فوقه ثقافات مختلفة دون أن تفقد أي منها خصوصيتها فالصين حضرت بأوبرا بكين وحركاتها المميزة والجبل الأسود واليابان ومصر ومالطا قدمت كل منها جانبًا من تراثها فيما حضرت الهند وليبيا والجزائر والمغرب بتنوعها الفلكلوري وكانت تونس حاضرة أكثر من مرة في تأكيد لثراء مخزونها الشعبي.
واختتمت سلسلة العروض التونسية بمشاركة الفرقة الوطنية للفنون الشعبية التي حملت المشعل في ختام البرنامج لتعيد الجمهور إلى عمق الذاكرة الشعبية التونسية بعد رحلة فنية عبر عدد من ثقافات العالم
لكن المشهد الأجمل والأكثر رمزية جاء في ختام السهرة عندما اجتمعت جميع الفرق المشاركة على خشبة المسرح لتتجاور الأزياء والألوان والثقافات في صورة واحدة قبل أن تتوحد خطوات الجميع على أنغام الأغنية التونسية الشهيرة «سيدي منصور»
كان المشهد الختامي مختلفا في دلالاته فبعد أن قدمت كل فرقة فنون بلدها وخصوصيته اجتمع الجميع في رقصة واحدة على إيقاع تونسي وكأن المسرح الأثري بقرطاج تحول في تلك اللحظة إلى مساحة تجمع العالم كله حول الموسيقى والفرح
«سيدي منصور» لم تكن مجرد أغنية اختيرت لتختتم العرض بل تحولت إلى جسر فني جمع مختلف الفرق في لحظة واحدة وجعل الجمهور يشاهد أمامه صورة حية للتقارب بين الثقافات اختلاف في الأزياء والإيقاعات والحركات لكن وحدة في الفرح والحضور والاحتفال بالفن.
وهنا تكمن قيمة «فلكلورات العالم» التي لم تقدم الفلكلور باعتباره مجرد رقصات وأزياء تقليدية وإنما قدمته باعتباره ذاكرة حية للشعوب وعنوانا لهويتها ووسيلة للتعريف بها والانفتاح على الآخرين.
فالتراث الشعبي حين يوضع على خشبة المسرح لا يبقى حبيس الماضي بل يستعيد حضوره أمام أجيال جديدة وجمهور مختلف ويتحول إلى مساحة للحوار والتبادل الثقافي وفي قرطاج بدا هذا المعنى أكثر وضوحا لأن المسرح الأثري الذي احتضن على مر العقود ثقافات وفنونا من مختلف أنحاء العالم كان في هذه السهرة مرة أخرى موعدا مع التنوع والاختلاف والجمال.
لقد كانت «فلكلورات العالم» سهرة جمعت بين الفرجة والثقافة وبين متعة العرض وقيمة الموروث وقدمت للجمهور التونسي فرصة لاكتشاف جوانب من ثقافات مختلفة وفي الوقت نفسه منحت الفنون الشعبية التونسية فرصة لتكون في قلب هذا اللقاء العالمي
وبين بداية العرض مع بالي أوبرا بكين ونهاية السهرة مع الفرقة الوطنية للفنون الشعبية التونسية مرت على ركح قرطاج عشرات الألوان والحركات والإيقاعات قبل أن تجتمع كل الفرق في لحظة واحدة وترقص على أنغام «سيدي منصور».
وهكذا تحولت سهرة «فلكلورات العالم» إلى لوحة فنية خاطفة للأنظار جمعت العالم في قرطاج وجعلت من الرقص لغة واحدة ومن الموسيقى جسرا بين الشعوب ومن التراث ذاكرة مشتركة للاحتفال بالإنسان والفن والجمال.



